كانت المدينة كبيرة جدا لدرجة أن زيارة واحدة لا تكفي بالتأكيد للتجول في كافة أنحائها و مرافقها، ونظرا لأن وقتنا كان محدودا جدا عزمنا على أن نحاول قدر الإمكان أن نغطي جميع الأماكن و أكثرها إثارة، فعهدنا إلى أحد الزملاء منصب القيادة و وليناه مهمة التخطيط و اختيار الأماكن من خلال الخريطة المرفقة التي قسمت فيها المدينة إلى مناطق منفصلة أفرد لكل منها لون مميز تيسيرا لعملية البحث، ووقع اختيارنا على إحدى الألعاب المائية المثيرة فأسرعنا الخطى نحوها لنصدم بطابور طويل من الزوار امتد إلى أمتار عديدة لكننا لاحظنا وجود مسار آخر موازي يؤدي إلى نفس اللعبة يدخل منه مجموعة من الناس دون الحاجة إلى الوقوف في المسارالأول المزدحم و الذي رفعت فوقه لوحة إلكترونية تقدر الزمن اللازم للوصول إلى نهاية المسار بـ 45 دقيقة،
من الأمور التي مازلت أستغرب منها خلال زياراتي العديدة إلى المدن اليابانية هي إصرار المواطن الياباني على التحدث مع السياح و الزوار بلغته الأم حتى وإن كان موقنا بأن الشخص الذي يتحدث إليه قد لا يفقه من حديثه شيئا، و أجد نفسي حائرا دائما في تفسير هذا التصرف العجيب، هل هو بسبب اعتزازه الشديد بلغته حاله حال أفراد بعض الشعوب الأوربية كالشعب الألماني المعروف عنه كبرياءه الشديد في التعامل مع غيره من الجنسيات الأخرى؟ أم أن ذلك يرجع لعادات أو موروثات لديه تفرض عليه مد يد المساعدة من باب اللباقة و احترام الغير ؟ بغض النظر عن الأسباب فإن ذلك لا ينفي إعجابي الشديد بالمعاملة الودودة و اللطيفة التي يتعاملون بها مع غيرهم علاوة على انبهاري بالتقنيات الصناعية الحديثة و التكنولوجيا المتطورة التي مكنت دولة جردت تماما من قوتها بعد الحرب العالمية الثانية من أن تتبوأ حاليا مكانة الصدارة في العالم و بلا منازع.
|
نعود مرة أخرى إلى أرض اليابان بعد فاصل قصير حول الطوابير و شجونها، أول ما وقع عليه بصري عندما دخلت المدينة كان مجسم لقلعة سندريلا الأسطورية و أمامها ساحة دائرية واسعة مغطاة بأنواع مختلفة من الأزهار و النباتات في منظر بديع و خلاب يسحر الألباب، حينها تذكرت أنني نسيت جلب كاميرا التصوير الخاصة بي، فهرعت إلى شراء واحدة من محلات الهدايا المنتشرة على جوانب المدخل، و وقفت أنا وزملائي نلتقط بعض الصور التذكارية أمام هذا المنظر الجميل، مما شجع إحدى السيدات اليابانيات -التي ربما اعتقدت أنني أحد المصورين المحترفين- أن تطلب مني بكل لباقة أن ألتقط لها صورة عائلية أمام القلعة، فلم أملك إلا أن ألبي طلبها بكل رحابة صدر و أنا أجزم أنها لو شاهدت الكاميرا التي أحملها و علمت أنها من نوع "ميكي ماوس" و الذي يستخدم لمرة واحدة فقط لكانت غيرت رأيها
ظننا في البداية أن في الأمر(واسطة) فاقتربنا قليلا لنتبين أن القائمين على المدينة قاموا بابتداع طريقة مبتكرة للتخفيف من حدة الازدحام عند الألعاب التي عليها إقبال شديد، حيث بإمكانك اختيار إحدى طريقتين، فإما أن تقف في الطابور المعتاد و تنتظر إلى أن يحين دورك، أما إذا كنت من المصابين بعقدة الوقوف في الطوابير فهناك خيار آخر أكثر سهولة فما عليك سوى أن تقوم بإدخال تذكرة الدخول الخاصة بك في إحدى الأجهزة الإلكترونية المجاورة للعبة المختارة لتقوم بإصدار بطاقة صغيرة مدون عليها توقيت محدد بإمكانك العودة فيه لاحقا لتدخل من المسار السريع الموازي وبذلك تتجنب عناء الوقوف في الطوابير الطويلة
اقترح أحدنا أن يأخذ كل منا تذكرة لتلك اللعبة و أن نتبع نفس التكتيك مع جميع الألعاب التي عليها زحام توفيرا للوقت، فاستصدر كل منا بطاقة حدد فيها موعد الرجوع بعد ساعة تقريبا، و اتجهنا نحو لعبة أخرى إلا أن الزحام لم يكن عليها بأقل من اللعبة الأولى فلم نجد مفرا من اتباع التكتيتك الذي اتفقنا عليه، فكررنا نفس الخطوات السابقة مع أحد الأجهزة لكن الغريب أنه رفض أن يعطينا موعدا كما فعل الأول لكنه أصدر عوضا عن ذلك بطاقة عليها رموز باللغة اليابانية لم نفهم منها بالطبع حرفا واحدا و مما زاد الطين بلة مقدم إحدى الموظفات إلينا بعد أن رأت ملامح الحيرة بادية على وجوهنا فألقت نظرة على بطاقة احدنا ثم أخذت تهمهم بكلمات باللغة اليابانية و هي تومئ لنا برأسها بإيمات سريعة و متتابعة دون أن نفقه شيئا مما تقول!
حاولنا جاهدين أن نفهم شيئا مما قالته لنا تلك الموظفة لكن جميع محاولتنا باءت بالفشل، فاللغة اليابانية تعد إحدى أكثر اللغات في العالم صعوبة و تعقيدا فتكفيك نظرة واحدة إلى الحروف الأبجدية اليابانية لتصاب بعدها عيناك بالحول، لذلك لم أستغرب عندما رأيت ذات مرة إحدى الفتيات يبدو أنها لم تجد طريقة أكثر ابتكارا للفت انتباه من حولها من الشباب سوى بتطريز أطراف شيلتها بأحرف يابانية (لم أنتبه إلى تطريز العباءة لكن لا أستبعد أنها اختارت لها حروفا صينية!)، و يكفي أن تعلم عزيزي القارئ أن كلمة "ألو" المكونة من ثلاثة أحرف و التي نقولها بكل عفوية عندما نرفع سماعة الهاتف مرادفها في اللغة اليابانية كلمة تتكون من مقطعين هي: "موشي موشي"!، فكيف لنا بعد ذلك أن نفهم سيل الكلمات الذي انطلق من فم تلك الموظفة!
خمنا لاحقا بأنها ربما كانت تحاول أن تخبرنا أنه ليس بمقدورنا أن نحصل على موعد جديد إلا بعد ان ننتهي من ركوب اللعبة السابقة حيث يبدو أن جميع الأجهزة مربوطة مع بعضها البعض ضمن شبكة محكمة لها القدرة على كشف مثل هذه الحيل و الألاعيب الماكرة التي لا تنطلي على الكمبيوتر الياباني!
|